وكالة مهر للأنباء: أعاد اغتيال مولوي يوسف غرغيج، رجل الدين السني في زاهدان، ملف الأمن في سيستان وبلوشستان ونشاط الجماعات المسلحة في جنوب شرقي إيران إلى الواجهة، في حادث أثار من جهة رد فعل قائد الحرس الثوري الإيراني وتأكيده على «الانتقام»، ومن جهة أخرى أعاد طرح سؤال قديم: لماذا تستهدف الجماعات التي تنفذ عمليات مسلحة بذريعة الدفاع عن حقوق أهل السنة والشعب البلوشي، في الواقع، رجال الدين والقوات المحلية والمواطنين السنة؟
استُهدف مولوي يوسف غرغيج، أحد علماء أهل السنة في زاهدان، في هجوم مسلح أدى إلى مقتله. ووقع الحادث في وقت كانت فيه سيستان وبلوشستان خلال السنوات الماضية إحدى بؤر نشاط الجماعات المسلحة والعمليات الإرهابية، فيما ظل الحفاظ على الأمن ومنع نشوء الانقسامات القومية والمذهبية من القضايا المهمة في المنطقة.
وعقب الحادث، وجه اللواء أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري الإيراني، رسالة إلى أسرة مولوي الشهيد يوسف غرغيج وأهالي سيستان وبلوشستان، قدم فيها التعازي باستشهاده، ووصف اغتياله بأنه عمل نفذه "«إرهابيون مأجورون"
وأشار وحيدي في رسالته إلى ما وصفه بـ«يأس الولايات المتحدة والكيان الصهيوني»، مؤكداً أن هذا الاغتيال يمثل، بحسب تعبيره، دليلاً على فشلهم في مواجهة أهالي سيستان وبلوشستان.
كما أكد قائد الحرس الثوري مكانة مولوي غرغيج بوصفه رجل دين «داعياً إلى الوحدة»، معلناً أن نهجه سيستمر وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية «ستنتقم» لهذا العمل.
اغتيال تتجاوز أبعاده مجرد حادث أمني
لا تقتصر أهمية اغتيال مولوي غرغيج على استشهاد شخصية دينية فحسب. ففي محافظة يشكل أهل السنة نسبة مهمة من سكانها، وتحظى فيها قضية الوحدة بين الشيعة والسنة بأهمية خاصة، فإن استهداف رجل دين سني قد تكون له تداعيات تتجاوز مجرد عملية مسلحة.
وخلال السنوات الماضية، حاولت الجماعات المسلحة الناشطة في المنطقة مراراً تبرير عملياتها بخطاب يتحدث عن «الدفاع عن أهل السنة» و«استعادة حقوق الشعب البلوشي» و«النضال من أجل أبناء المنطقة». إلا أن سلسلة من الحوادث الإرهابية تطرح تناقضاً لافتاً أمام الرأي العام، إذ إن قسماً من ضحايا هذه الهجمات كانوا أنفسهم من أبناء الشعب السني والبلوشي.
ويصبح هذا التناقض أكثر وضوحاً عند النظر إلى نماذج من الحوادث التي وقعت خلال الأشهر الأخيرة
عندما يكون رجل الدين السني ضحية للإرهاب
لم يكن مولوي يوسف غرغيج رجل الدين السني الوحيد الذي استُهدف في هجوم مسلح خلال الأشهر الأخيرة. فقبله، استُهدف مولوي محمد أنور ريغي، إمام جمعة أهل السنة في ميرجاوه، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون، وفقد حياته إثر ذلك.
ويثير تكرار مثل هذه الحوادث سؤالاً مفاده: إذا كانت جماعة ما تعتبر نفسها مدافعة عن أهل السنة، فما العلاقة بين استهداف رجال الدين السنة وهذا الادعاء؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر إذا أخذنا في الاعتبار أن القوات المحلية والمواطنين البلوش والسنة كانوا أيضاً من ضحايا الحوادث الأمنية في المنطقة.
وفي حادثة أخرى تم الإبلاغ عنها، قُتل عبد الرؤوف إسحاقي، أحد أبناء القوات المحلية من أهل السنة في منطقة سرباز، خلال هجوم إرهابي. كما استشهد في إيرانشهر نور الله نارويي، وهو شرطي بلوشي من أهل السنة، بعد إصابته في هجوم مسلح.
وبالطبع، ينبغي في كل من هذه الحوادث التمييز بين وقوع الهجوم، وهوية منفذيه، وانتمائهم التنظيمي. ففي بعض القضايا، لا تزال التحقيقات الرسمية هي الجهة التي تحدد بصورة نهائية هوية منفذي العمليات والمخططين لها. لكن من الناحية الاجتماعية، تبقى القضية جديرة بالتأمل، إذ إن السكان المحليين، ولا سيما القوات المحلية، يسقطون أيضاً ضحايا لأعمال العنف في المنطقة.
ادعاء الدفاع عن الشعب وواقع الميدان
تتمثل القضية الأساسية هنا في الفجوة بين الشعارات والأداء على أرض الواقع.
فالجماعات المسلحة التي تقدم نفسها على أنها مدافعة عن حقوق قومية أو مذهبية معينة، ينبغي في نهاية المطاف النظر إلى أفعالها؛ أي إلى الأشخاص الذين تستهدفهم عملياتها، والنتائج التي تتركها هذه العمليات على المجتمع الذي تزعم الدفاع عنه.
فإذا اغتيل رجل دين سني، أو استشهد أحد أبناء القوات المحلية من البلوش والسنة، أو فقد مواطنون عاديون حياتهم نتيجة الأعمال المسلحة، فمن الطبيعي أن يطرح السؤال حول كيفية تفسير هذه الأفعال تحت عنوان "الدفاع عن أهل السنة"
وفي الواقع، ينظر سكان المنطقة إلى نتائج الأفعال أكثر من الشعارات؛ إلى الأمن أو انعدامه، وإلى إمكانية ممارسة الأنشطة الاقتصادية، وفتح الطرق، والوصول إلى الخدمات العامة، والأهم من ذلك كله، أمن أرواحهم وأسرهم.
البنى التحتية المستهدفة ملك للسكان
ومن الجوانب اللافتة الأخرى لنشاط الجماعات المسلحة، استهداف البنى التحتية والمرافق العامة.
فمنشآت الكهرباء والاتصالات والطرق والمراكز الخدمية وغيرها من البنى التحتية العامة ليست ملكاً للحكومة أو مؤسسة بعينها فحسب؛ بل أُنشئت هذه المرافق لخدمة السكان، وأهالي سيستان وبلوشستان، شيعة وسنة، هم المستفيدون الأساسيون منها.
وبالتالي، حتى إذا كان الهدف المعلن من عملية ما هو ضرب مؤسسة حكومية، فإن تداعياتها قد تطال المواطنين بصورة مباشرة.
فانقطاع الكهرباء، وتعطل الاتصالات، وإلحاق الأضرار بالطرق والمواصلات، أو إغلاق المراكز الخدمية، تؤثر في حياة الأسر التي تعيش في المنطقة أكثر مما تؤثر في حياة مسؤول أو شخصية حكومية.
ومن هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى الهجوم على البنى التحتية العامة باعتباره مجرد عمل عسكري أو أمني ضد السلطة، لأن جزءاً مهماً من تكلفته يدفعه المواطنون العاديون.
استهداف الوحدة؛ تداع أمني مهم
من أبرز تداعيات هذه الحوادث خطر الإضرار بالثقة العامة والوحدة الاجتماعية.
وتتميز سيستان وبلوشستان بتنوعها القومي والمذهبي، وأي حادث يستهدف شخصية دينية أو قومية أو اجتماعية يمكن أن يمهد لظهور سوء فهم وتوترات جديدة.
ولهذا السبب، لم تكن ردة فعل مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية على اغتيال مولوي غرغيج مجرد ردة فعل أمنية. فقد شدد قائد الحرس الثوري في رسالته، إلى جانب قضية مواجهة الإرهاب، على مكانة رجل الدين بوصفه شخصية "داعية إلى الوحدة"
وتظهر هذه الأحداث أن الجماعات الإرهابية تحاول، من خلال استهداف الشخصيات المؤثرة في وحدة الشيعة والسنة، التأثير في الأجواء الاجتماعية للمنطقة.
وفي المقابل، يمكن لاستمرار العمليات الإرهابية أن يؤدي إلى خلق أجواء من انعدام الأمن بين جميع سكان المحافظة، وهي قضية تتجاوز الحدود القومية والمذهبية وتؤثر في الحياة اليومية للمواطنين.
لماذا لا ينسجم «الدفاع عن أهل السنة» مع استهداف السنة؟
هذا هو السؤال الأساسي في قضية مولوي غرغيج.
فإذا كانت جماعة مسلحة تدعي أنها تنشط للدفاع عن حقوق أهل السنة، فعليها أن تفسر كيف يمكن إدراج اغتيال رجل دين سني في إطار هذا الادعاء.
وإذا كان الحديث يدور عن الدفاع عن الشعب البلوشي، فينبغي التساؤل: ما الذي يضيفه مقتل أبناء القوات المحلية البلوش وخلق حالة من انعدام الأمن في المدن إلى حياة الشعب البلوشي؟
وإذا كان الهدف المعلن هو مواجهة السلطة، فينبغي التساؤل أيضاً: ما النتيجة المترتبة على تفجير أو إلحاق الضرر بالمنشآت العامة التي يستخدمها سكان المنطقة، سوى تحميل المواطنين مزيداً من الأعباء؟
وهنا تحديداً تظهر الفجوة بين الدعاية وواقع الميدان. فقد تتحدث الشعارات عن «الشعب»، لكن نتائج العمليات المسلحة ينبغي أن تُقاس بعدد الضحايا وحجم الخسائر وتأثيراتها في حياة هؤلاء السكان أنفسهم.
رد أمني بانتظار منفذي الاغتيال
وتتمثل أهم المطالب عقب استشهاد مولوي غرغيج في تحديد هوية منفذي العملية ومخططيها وداعميها بصورة دقيقة.
وتشير تصريحات اللواء وحيدي بشأن «الانتقام» إلى أن قيادة الحرس الثوري تتعامل مع الحادث باعتباره قضية أمنية مهمة. ومع ذلك، فإن الحكم الدقيق على ملابسات العملية وخلفياتها يتطلب انتظار نتائج التحقيقات والمعلومات الرسمية بشأن شبكة المنفذين.
وفي الوقت نفسه، أظهرت تجارب السنوات الماضية أن مواجهة انعدام الأمن عسكرياً ليست سوى أحد أبعاد القضية. فالحفاظ على الوحدة الاجتماعية، وتعزيز دور الشخصيات المحلية، وتوفير الأمن للمواطنين، ومنع تحول الخلافات القومية والمذهبية إلى انقسامات اجتماعية، كلها عوامل مهمة لتحقيق الاستقرار المستدام في المنطقة.
ويعيد اغتيال مولوي يوسف غرغيج، في مثل هذه الظروف، التأكيد مرة أخرى على أن أول ضحايا انعدام الأمن هم السكان أنفسهم؛ أولئك الذين تكرر الجماعات المسلحة أسماءهم في بياناتها وشعاراتها.
وربما يكون السؤال الأهم المطروح أمام الرأي العام هو: إذا كان الهدف هو الدفاع عن أهل السنة والشعب البلوشي، فلماذا يدفع أبناء السنة والبلوش أنفسهم في نهاية المطاف ثمن العمليات الإرهابية؟
وينبغي البحث عن إجابة هذا السؤال لا في الشعارات، بل في السجل العملي للجماعات المسلحة الإرهابية وتداعيات أعمالها على سكان سيستان وبلوشستان.

تعليقك